الشوكاني

243

فتح القدير

سورة الإسراء الآية ( 67 - 70 ) قوله ( ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر ) الإزجاء : السوق والإجراء والتسير ، ومنه قوله سبحانه - ألم تر أن الله يزجى سحابا - وقول الشاعر : يا أيها الراكب المزجي مطيته * سائل بني أسد ما هذه الصور وقول الآخر : عوذا تزجي خلفها أطفالها * والمعنى : أن الله سبحانه يسير الفلك في البحر بالريح والفلك ها هنا جمع . وقد تقدم ، والبحر هو الماء الكثير عذبا كان أو مالحا ، وقد غلب هذا الاسم على المشهور ( لتبتغوا من فضله ) أي من رزقه الذي تفضل به على عباده أو من الربح بالتجارة ، ومن زائدة أو للتبعيض ، وفى هذه الآية تذكير لهم بنعم الله سبحانه عليهم حتى لا يعبدوا غيره ولا يشركوا به أحدا ، وجملة ( إنه كان بكم رحيما ) تعليل لما تقدم : أي كان بكم رحيما فهداكم إلى مصالح دنياكم ( وإذا مسكم الضر ) يعنى خوف الغرق ( في البحر ضل من تدعون ) من الآلهة وذهب عن خواطركم ، ولم يوجد لإغاثتكم ما كنتم تدعون من دونه من صنم ، أو جن ، أو ملك ، أو بشر ( إلا إياه ) وحده فإنكم تعقدون رجاءكم برحمته وإغاثته ، والاستثناء منقطع ، ومعنى الآية : أن الكفار إنما يعتقدون في أصنامهم وسائر معبوداتهم أنها نافعة لهم في غير هذه الحالة ، فأما في هذه الحالة فإن كل واحد منهم يعلم بالفطرة علما لا يقدر على مدافعته أن الأصنام ونحوها لا فعل لها ( فلما نجاكم إلى البر أعرضتم ) عن الإخلاص لله وتوحيده ورجعتم إلى دعاء أصنامكم والاستغاثة بها ( وكان الإنسان كفورا ) أي كثير الكفران لنعمة الله . وهو تعليل لما تقدمه ، والمعنى : أنهم عند الشدائد يتمسكون برحمة الله ، وفى الرخاء يعرضون عنه . ثم أنكر سبحانه عليهم سوء معاملتهم قائلا ( أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر ) الهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض . فبين لهم أنه قادر على هلاكهم في البر وإن سلموا من البحر . والخسف أن تنهار الأرض بالشئ ، يقال بئر خسيف : إذا انهدم أصلها ، وعين خاسف : أي غائرة حدقتها في الرأس ، وخسفت عين الماء : إذا غار ماؤها . وخسفت الشمس : إذا غابت عن الأرض وجانب البر ناحية الأرض ، وسماه جانبا . لأنه يصير بعد الخسف جانبا ، وأيضا فإن البحر جانب من الأرض والبر جانب . وقيل إنهم كانوا على ساحل البحر . وساحله جانب البر فكانوا فيه آمنين من مخاوف البحر ، فحذرهم ما أمنوه من البر كما حذرهم ما خافوه من البحر ( أو يرسل عليكم حاصبا ) قال أبو عبيدة والقتيبي : الحصب الرمي : أي ريحا شديدة حاصبة . وهى التي ترمى بالحصى الصغار . وقال الزجاج : الحاصب التراب الذي